ابراهيم بن عمر البقاعي
588
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء » « 1 » فإن ظاهره مناف لظاهر الأول ، وظاهر هذا مؤيد بقاطع النقل من أنه غير محتاج ، ومؤيد بصحيح النقل لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ أي لا في ذاته ولا صفاته ولا شيء من شؤونه ، و « قد كان اللّه ولا شيء معه » « 2 » ، وحديث « ليس فوقك شيء » « 3 » - رواه مسلم والترمذي وابن ماجة في الدعوات وأبو داود في الأدب عن أبي هريرة رضي اللّه عنه - واللّه الموفق . ولما كان المراد إثبات أن علمه تعالى محيط ، نسبة كل من الخفي والجلي إليه على السواء ، وكان السياق هنا للخفي فإنه في بيان خلق الإنسان وعجيب صنعه فيه بما خلق فيه من إدراك المعاني وهيأه له من قبل أن يقدر على التعبير عنه ، ثم أقدره على ذلك ؛ قدم الخفي فقال شارحا لكونه لا يغيب عنه شيء : يَعْلَمُ سِرَّكُمْ . ولما كان لا ملازمة بين علم السر والجهر لأنه قد يكون في الجهر لفظ شديد يمنع اختلاط الأصوات فيه من علمه ، صرح به فقال : وَجَهْرَكُمْ ونسبة كل منها إليه على حد سواء ، ولا توصف واحدة منها بقرب في المسافة إليه ولا بعد ؛ ولما كان السر والجهر شائعين في الأقوال ، وكانت الأقوال تتعلق بالسمع ، ذكر ما يعمهما وهو شائع في الأفعال المتعلقة بالبصر فقال : وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ فأفاد ذلك صفتي السمع والبصر مع إثبات العلم ، فلما تظاهرت الأدلة وتظافرت الحجج وهم عنها ناكبون ، وصل بذلك في
--> ( 1 ) صحيح . أخرجه مسلم 2713 وأبو داود 5051 والترمذي 3400 والنسائي في اليوم والليلة 790 وابن ماجة 3873 وابن السني 720 وابن أبي شيبة 10 / 251 وابن حبان 5537 وأحمد 2 / 381 و 536 من حديث أبي هريرة قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أوى إلى فراشه قال : « اللهم رب السماوات ، ورب الأرض ، ورب العرش العظيم ، ربنا وربّ كل شيء ، فالق الحب والنوى ، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان ، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته ، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، اقض عنّا الدين ، وأغننا من الفقر » . ( 2 ) صحيح . أخرجه البخاري 7418 و 4975 والطبراني 18 / ( 499 ) ( 500 ) والبيهقي في الأسماء والصفات ص 231 وفي السنن 9 / 2 . 3 وابن حبان 6142 وأحمد 4 / 431 من حديث عمران بن حصين . قال : « إني عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذ جاءه قوم من بني تميم ، فقال : اقبلوا البشرى يا بني تميم ! قالوا : بشرتنا فأعطنا ، فدخل ناس من أهل اليمن ، فقال : اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم ! قالوا : قبلنا جئناك لنتفقه في الدين ، ولنسألك عن هذا الأمر ما كاد ؟ قال : كان اللّه ، ولم يكن شيء قبله ، وكان عرشه على الماء ، ثم خلق السماوات والأرض ، وكتب في الذكر كل شيء ، ثم أتاني رجل ، فقال : « يا عمران أدرك ناقتك فقد ذهبت ، فانطلقت أطلبها ، فإذا السراب ينقطع دونها ، وأيم اللّه لوددت أنها قد ذهبت ولم أقم » . ( 3 ) هو المتقدم قبل حديث واحد .